الأربعاء 3 ذو الحجة 1439 هـ   - 15 اغسطس 2018 م

الحوار-الجزائر، الاثنين 12 رمضان 1439هـ/ 28 مايو 2018م، العدد 3409

لحظة إقبال

لعلنا اليوم بأمس الحاجة لاستعادة لحظة إقبال (1294-1357هـ/1877-1938م) الفكرية والتاريخية، والتوقف عند هذه اللحظة فحصا وتحليلا من جهة، فهما وتبصرا من جهة أخرى، بناء وتراكما من جهة ثالثة، تواصلا وتجاوزا من جهة رابعة، هذه هي حلقات تطور عمليات تكامل الفهم والمعرفة تجاه جميع اللحظات الفكرية المهمة في التاريخ.

ومع لحظة إقبال الشاعر والمفكر نحن أمام مفارقة شديدة الأهمية، فقبل نهاية العقد الثالث من القرن العشرين فتح إقبال الحديث عن قضية التجديد الديني في محاضراته الست التي ألقاها باللغة الإنجليزية ما بين سنتي 1928-1929م، تلبية لطلب من الجمعية الإسلامية في مدراس، وأكملها في مدينتي حيدر آباد وعليكرة بالهند، وجمعها لاحقا في كتاب صدر بالإنجليزية مطلع الثلاثينات، عرف بحسب ترجمته العربية بعنوان: (تجديد التفكير الديني في الإسلام)، وأراد منه إقبال بثقة عالية وأفق بعيد: (بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناء جديدا، آخذا بعين الاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام، إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة).

إقبال الذي قدم أنضج وأعمق محاولة في تجديد التفكير الديني في الإسلام، هذه القضية وبعد ما يزيد على ثمانية عقود من الزمان، قطعنا فيها نهاية القرن العشرين، وولجنا معها القرن الحادي والعشرين، هذه القضية نرى فيها اليوم قضية القضايا، وشغلنا الشاغل في عصرنا الراهن، وكأن لحظة إقبال لم تمر علينا من قبل، وواقع الحال أنها مرت ومضت، ولم تمثل لنا لحظة لا بالمعنى الفكري ولا بالمعنى التاريخي، وباتت قضية إقبال بالأمس هي قضيتا الكبرى اليوم، وهذه هي المفارقة.

والسؤال لماذا لحظة إقبال تحديدا؟

من جهة تمثل لحظة إقبال أنضج وأعمق لحظة في تجديد التفكير الديني في العصر الإسلامي الحديث، لكنها من جهة أخرى هي من أصعب اللحظات كما سوف يتضح.

وتتأكد أهمية لحظة إقبال، كونها تشبه في طبيعتها الفكرية والتاريخية لحظة الفيلسوف الفرنسي الشهير ديكارت (1596-1650م) في ساحة الفكر الإوروبي الحديث، اللحظة التي غيرت كليا صورة الفكر الأوروبي ووجهته، وذلك حين قطعت صلته بالأزمنة القديمة البالية وتحديدا بالفكر اليوناني القديم الموصوف لديهم بالفكر العقيم، وولجت به إلى الأزمنة الحديثة، ولعظمت هذا الدور الفكري والتاريخي الحاسم، وصف ديكارت في الأدبيات الفلسفية الأوروبية بأبي الفلسفة الأوروبية الحديثة.

وهذا ما حاول إقبال القيام به في ساحة الفكر الإسلامي، فقد أراد البرهنة على أمرين هما:

الأمر الأول: تأكيد تناقض روح الثقافة الإسلامية القائمة على الملاحظة والتجربة، مع روح الثقافة اليونانية القائمة على البحث النظري والتجريدي وإغفال الواقع المحسوس، بقصد قطع الصلة مع الفكر اليوناني القديم والعقيم.

الأمر الثاني: ربط الثقافة الإسلامية بالأزمنة الحديثة، من خلال تأكيد أن خصومة العالم الحديث للآراء القديمة، نشأت عن ثورة الإسلام العقلية على التفكير اليوناني، وتتجلى هذه الثورة في نظر إقبال، في كل ميادين الفكر، بالإضافة إلى ميادين الرياضيات والفلك والطب، ولكنها تبدو على أوضح ما يكون من التحديد وأوفاه على حد قول إقبال، في نقد المسلمين للمنطق اليوناني، وإن ما أنجز في هذا الشأن هو بمثابة ثورة عقلية على الفكر اليوناني.

لذلك أصبح واجبا على علماء الإسلام في نظر إقبال، فيما هو مقبل من الأيام أن يعيدوا بناء هذه النظرية العقلية البحتة، وأن يُحكموا الصلات بينها وبين العلم الحديث، الذي يظهر عنده أنه يتجه في الاتجاه نفسه.

وبناء على هذا الرأي يرى إقبال بأن الإسلام هو الذي افتتح العالم الحديث، وصنع العصر الحديث، لاكتشافه الفكر التجريبي والبرهنة عليه، وهو الفكر الذي نهضت به أوروبا وصنعت على أساسه حضارتها.

أما لماذا لحظة إقبال هي من أصعب اللحظات في ساحة الفكر الديني الإسلامي، لأن إقبال وجد أنه لا يمكن مواجهة أزمة الثقافة الإسلامية التي حصلت بعد تدهور الحضارة الإسلامية، إلا عن طريق الاجتهاد المطلق الذي يمكن النهوض به في نظر إقبال، فكما نهض به المتقدمون يمكن أن ينهض به المتأخرون.

ويتأكد هذا الموقف عند إقبال لكون أن أحوال العالم الإسلامي قد تغيرت بصورة جذرية، ما أوجب الحاجة من جديد إلى الاجتهاد المطلق، فهل التجديد الديني إذا هو أمر ممكن؟

 

 
 
 
 
عدد الزوار : 178376