الأربعاء 16 محرم 1440 هـ   - 26 سبتمبر 2018 م

الحوار-الجزائر، الأحد 3 شوال 1439هـ/ 17 يونيو 2018م، العدد 3425

غربة المثقف العربي.. صور وتجليات

ما من مثقف في المجال العربي تقريبا إلا وله سيرة وذاكرة مع الغربة، بحسب أنواعها وصورها وأنماطها، ما بين غربة قصيرة أو طويلة من ناحية الزمن، وما بين غربة متنبه لها أو غير متنبه لها من ناحية الفكر، ومن لا يتنبه لها مبكرا سوف يتنبه لها متأخرا، وما بين غربة محزنة أو غير محزنة من ناحية النفس، أو محزنة بدرجة تختلف وتتفاوت من مثقف لآخر، وما بين غربة نابعة منه أو نابعة من مجتمعه أو من الطرفين معا، مكاشفا بها أو متكتما عليها.

ومن ناحية النوع والصورة والأنماط، فهناك غربة المثقف عن مجتمعه، وهناك غربة المثقف عن ثقافته، وغربة المثقف عن لغته، وغربة المثقف عن تاريخه، إلى جانب من يرى غربة المثقف حتى عن نفسه في بعض الحالات، فالغربة بهذا المعنى هي غربات لها صور وأنماط متعددة، لكنها متحدة من جهة المعنى والحقيقة والشعور، حتى وإن اختلفت من جهة الشدة والدرجة.

فغربة المثقف عن مجتمعه، هذه الغربة المثقف هو أبصر بها من غيره، يدرك صورتها وحقيقتها، وطالما تحدث عنها ببلاغته البيانية المعهودة، وفتح النقاش حولها، مجادلا ومسائلا، مناظرا ومحاججا، متأثرا ومتألما تارة، قانعا وزاهدا تارة ثانية، متغافلا ولا مباليا تارة ثالثة، وهذه الحالات حصلت وتحصل بحسب أنماط المثقفين وصورهم.

لكن هذه الغربة في المجال العربي حصلت بطريقة مزدوجة، اشترك فيها وتسبب بها المثقف من جهة والمجتمع من جهة أخرى، وذلك على اختلاف الحالات والدرجات من مجتمع لآخر.

تسبب وشعر بها المثقف حين عزل نفسه وانقطع عن المجتمع بإرادته أو بغير إرادته، وحين تعالى وترفع وأخذه الكبرياء على المجتمع، وهكذا حين تفككت علاقته بالمجتمع وانفصمت لسبب من الأسباب، فالمثقف الذي طوق نفسه بالأيديولوجيات وبقي سجينا لها فكرا وتاريخا، لغة واصطلاحا، نبضا وحسا، كالماركسية والوجودية والوضعية والداروينية وغيرها، فإنه بهذا المنحى يكون قد فقد خطاب التواصل مع المجتمع الذي لا تربطه صلة ثقافية وروحية وتاريخية ولغوية بهذه الأيديولوجيات الغريبة عليه، ما جعل المثقف يعيش غربة أو يحس بغربة في مجتمعاته.

وهكذا الحال مع المثقف الذي يرى نفسه أنه بتأثير علاقته بالثقافة والمعرفة والأدب، أصبح ينتمي إلى طبقة راقية ومتفوقة على طبقات المجتمع الأخرى المتدنية في نظره وفي شعوره النفسي، هذا الإدراك الوهمي يدفع بالمثقف إلى حالة من التعالي، وتؤدي به إلى نوع من الاضطراب في علاقته بالمجتمع، والبقاء على هذا الوضع ينتهي بالمثقف لأن يعيش الغربة في مجتمعه.

وتسبب المجتمع بهذه الغربة من دون وعي وإدراك، وذلك نتيجة تقلص علاقته بالفكر والثقافة والمعرفة وانكماشها، وهو الوضع الذي أحدث فجوة كبيرة وغير طبيعية في علاقة المجتمع بالمثقف، فهناك تراجع ثقافي ممتد وشديد في مجتمعاتنا العربية الراهنة، جعلها لا تواكب المثقف، ولا تجاريه في عطاءاته الفكرية والمعرفية والثقافية والنقدية، ولا تظهر التفاعل معه، والاقتراب منه، وصعبت كذلك على المثقف إمكانية التواصل الحيوي مع المجتمع، والتخاطب الفعال معه فكريا وثقافيا.

وتسبب بهذه الغربة المجتمع كذلك، حين لم يلتفت إلى المثقف من جهة الاعتبار الأخلاقي والتقدير الاجتماعي، وجرى التعامل معه في أحيان كثيرة بنوع من الإهمال والتغافل غير المقصود، الوضع الذي ترك أثرا وتأثيرا نفسيا ووجدانيا جارحا على المثقف، ظاهرا أو مخفيا، وسواء أعلن عنه المثقف وجاهر به أو تكتم عليه.

ومن الثابت أن أدوار المثقف كما ونوعا، تتأثر برغبته أو من دون رغبته بطريقة تبادل التقدير له من المجتمع، فالمثقف الذي يبادله المجتمع تقديرا أخلاقيا واجتماعيا يفترض أن تتقدم أدواره وتزدهر كما ونوعا، بخلاف الحال مع المثقف الذي لا يبادله المجتمع نوعا من التقدير، فإن أدواره يفترض أن تتراجع وتنكمش كما ونوعا.

* * *
وبشأن غربة المثقف عن ثقافته، فإن لها إحساسا عميقا في نفسية المثقفين، وما من مثقف في المجال العربي إلا وشعر بها، على اختلاف درجات هذا الشعور، واختلاف أنماط المثقفين، فهذا الشعور عند بعض المثقفين ظل يتنامى بصورة تدريجية، وحصل الإدراك به نتيجة تراكم التجربة الفكرية، واكتمال مراحل النضج، إلى جانب تقادم العمر.

وعند مثقفين آخرين حصل هذا الإدراك بصورة سريعة، وفجائية أحيانا، وذلك بتأثير أحداث كبرى مؤثرة، ذاتية أو موضوعية، نفسية أو فكرية،  يكون لها عادة وقع الصدمة والصدمة الشديدة والمدوية التي تنبه الإنسان بقوة إلى ذاته.

وهذا ما حصل مع نكسة عام 1967م، الحدث الذي هز ضمير شريحة من المثقفين، وفاقت صدمته المدوية في ساحتهم الثقافية صدمة العسكريين في جبهات القتال، وفتح أوسع حديث عما سمي في وقته النقد الذاتي، النقد الذي نبه بعض هؤلاء المثقفين، وغير في مساراتهم ومسلكياتهم الفكرية والثقافية.

وهذه الغربة حصلت عند المثقفين الذين اندفعوا بتأثير سحر الحداثة والتقدم والانخراط في روح العصر والإنتماء إلى العالم الحديث، نحو تبني واعتناق المذاهب الفكرية والفلسفية التي تنتمي كليا إلى الثقافة الأوروبية، كالماركسية والوجودية والداروينية والديكارتية والوضعية والبنيوية والحداثية وما بعد الحداثية إلى ما هنالك من مذاهب وتيارات أخرى.

وبات من الظاهر أن ما من مذهب فكري وفلسفي واجتماعي ونقدي ظهر واشتهر في ساحة الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر، إلا ووجد له من يتمثله في ساحة المثقفين العرب، تمثلا هو أميل إلى التبعية، وأقرب إلى الإصابة بالاغتراب، وأبعد من الابتكار.

وحين توقف أمام هذه القضية، الناقد المغربي الدكتور محمد وقيدي في مقالة له بعنوان: (مقدمات لاستئناف القول الفلسفي في الفكر العربي المعاصر)، نشرت في مجلة عالم الفكر الكويتية سنة 2002م، متحدثا عن المحاولات الفلسفية العربية، فإن هذه المحاولات في نظره غلبت على كثير منها، الرغبة في الانتماء إلى أحد التيارات الفلسفية الكبرى المعاصرة، لدرجة أن المتفلسفين العرب لم يتركوا للمحلل فرصة متابعة تفكيرهم، وتحليله للوصول إلى تصنيفهم ضمن إحدى المسميات الفلسفية الكبرى أو خارجها ضمن تسمية جديدة، بل نراهم يتسارعون في الانتساب إلى ما هو قائم من تسميات مثل الوجودية والشخصانية والوضعية والعقلانية وغير ذلك.

وهذا الموقف في نظر الدكتور وقيدي، هو ما جعل المتفلسف العربي يظهر بمظهر من يختبئ وراء أسماء أخرى من أجل صياغة أفكاره الفلسفية، وكأنه بهذه الصفة يفكر في اسم مستعار، ولا يكون قادرا على القول بصيغة أنا أفكر.

وبخلاف هذا الموقف، ما ذهب إليه الكاتب المغربي الدكتور سالم يفوت الذي امتدح ما أسماه تمثل الدرس الفلسفي الغربي، وأشار إلى هذا الموقف في كتابه الوجيز (المناحي الجديدة للفكر الفلسفي المعاصر) الصادر سنة 1999م، وحسب قوله: وتاريخنا الحديث زاخر بالمحاولات الهادفة إلى تمثل الدرس الفلسفي الغربي، انطلاقا من نزعة شبلي شميل التطورية الداروينية، ثم وجودية عبدالرحمن بدوي، فوضعية زكي نجيب محمود، وشخصانية رينيه حبشي ومحمد عزيز الحبابي، وأرسطية يوسف كرم، وجوانية عثمان أمين، وديكارتية كمال يوسف الحاج.. حتى النزعات المعاصرة التي تنهل من الماركسية أو غيرها من الصيغ الفلسفية الأخرى، التي تحتل الساحة الفكرية الراهنة.

وجوهر الملاحظة ليس في الاقتراب من هذه المذاهب الفلسفية وغيرها، وتكوين المعرفة بها، والتمكن منها، وإنما في الاندفاع نحو هذا الدرب، ويقابله الانقطاع عن التواصل مع الثقافة العربية والإسلامية، والانقلاب عليها عند بعض المثقفين، والصدام معها عن بعض آخر، الوضع الذي كشف عن خلل منهجي في البناء والتكوين الروحي والثقافي عند هؤلاء المثقفين، كان من نتائجه الغربة الثقافية.

هذه الحالة بصورتها المزدوجة الانقطاع عن الثقافة الإسلامية، والالتحاق بالثقافة الأوروبية، لعل أفضل من تنبه لها وتحدث عنها هو الدكتور زكي نجيب محمود، وذلك نظرا لمكانته العلمية العالية، وجدية تجربته الفكرية، وتميزه في الضبط والتدقيق الفكري والفلسفي.

الصورة الأولى المتعلقة تجاه الثقافة الإسلامية، هذه الصورة تحدث عنها الدكتور زكي نجيب محمود في مقدمة كتابه (رؤية إسلامية) الصادر سنة 1987م قائلا: (لقد أوهمنا أنفسنا وهما عجيبا، قيد خطواتنا على طريق التقدم، وهو أننا توهمنا أن ثمة تناقضا بين أن يكون الإنسان مسلما بعقيدته الدينية، وأن يكون في الوقت نفسه ساعيا إلى ما يسعى إليه أهل الغرب، من إيجاد لعلم جديد، ثم إقامة حضارة جديدة على أساس ذلك العلم الجديد. وقد كاد الأمر يكون كذلك، لو أن إسلامنا لم يجعل العلم وتطبيقه ركنا أساسيا في بنائه. وإني لأتصور أن الأمة الإسلامية، لو كانت اليوم على مثل قوتها الأولى، لكانت هي التي ملكت زمام عصرنا هذا بكل ما فيه من علوم، ومن تقنيات، فالذي انتهى بنا إلى موقف المتسول المحروم في دنيا العلم والصناعات، ليس هو إسلامنا، بل هو أننا قد أخطأنا منزلة العلم بأسرار الكون، والانتفاع بذلك العلم في الحياة العملية.. أقول إننا قد أخطأنا منزلة ذلك كله في العقيدة الإسلامية، تلك المنزلة التي من أجل رفعتها، كانت (اقرأ) أول ما نزل به القرآن الكريم).

وبشأن الصورة الثانية المتعلقة بالموقف تجاه الثقافة الأوروبية، هذه الصورة تحدث عنها الدكتور زكي نجيب محمود في مقدمة كتاب (تجديد الفكر العربي) الصادر سنة 1982م بقوله: إنه (واحد من ألوف المثقفين العرب، الذين فتحت عيونهم على فكر أوروبي قديم أو جديد، حتى سبقت إلى خواطرهم ظنون، بأن ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه، لأن عيونهم لم تفتح على غيره لتراه، ولبثت هذه الحال مع كاتب هذه الصفحات أعواماً بعد أعوام، الفكر الأوروبي دراسته وهو طالب، والفكر الأوروبي تدريسه وهو أستاذ، والفكر الأوروبي مسلاته كلما أراد التسلية في أوقات الفراغ، وكانت أسماء الأعلام والمذاهب في التراث العربي لا تجيئه إلا أصداء مفككة متناثرة كالأشباح الغامضة، يلمحها وهي طافية على أسطر الكاتبين... ثم أخذته في أعوامه الأخيرة صحوة قلقة، فلقد فوجئ، وهو في أنضج سنيه، بأن مشكلة المشكلات في حياتنا الثقافية الراهنة، ليست هي: كم أخذنا من ثقافات الغرب، وكم ينبغي لنا أن نزيد).

لا شك أن هذه مكاشفة مهمة قدم فيها الدكتور زكي نجيب محمود نصا بليغا يصلح أن يكون من النصوص الرائدة في الأدب العربي المعاصر، لكنها المكاشفة التي عرفت ومرت ومضت من دون أن تؤثر في طباع المثقفين، أو تغير في نمط علاقتهم بالثقافة الغربية، أو تبدل في مساراتهم ومسالكهم الفكرية والفلسفية، أو تقرب من نمط علاقتهم بالثقافة الإسلامية.

وأما غربة المثقف عن لغته، فقد ظهرت وتجلت في مغرب العالم العربي أكثر من مشرقه، وذلك بحكم ما تعرضت له المنطقة من فرنسة ممنهجة حصلت خلال فترة الاستعمار الفرنسي الطويل والشرس، الذي فرض اللغة الفرنسية فرضا، وجعلها اللغة الرسمية في التعليم والإدارة لغرض تحويل هذه المجتمعات إلى مستعمرات تظل تابعة ومستتبعة بصورة دائمة ومستمرة لفرنسا.

وخطورة غربة اللغة تكمن في أنها تستتبع معها غربات متعددة، بل إن جميع الغربات الأخرى تتأثر بها، كالغربة عن الثقافة والغربة عن المجتمع، والغربة عن التاريخ، وتصل حتى إلى الغربة عن الذات، لكون أن اللغة هي محدد أساسي في مكونات هذه الأبعاد وغيرها، فالإنسان لا يفكر خارج لغته، وبين الثقافة واللغة هناك اتصال وثيق ولا ينفك، وهكذا بين الهوية واللغة، وبين النفس واللغة.

وكنت قد لمست هذه الغربة بنفسي حينما زرت دول المغرب العربي، ووجدت في داخل هذه المجتمعات إحساسا عميقا بهذه الغربة، ومن المواقف التي كنت شاهدا عليها ما حصل حين شاركت في مؤتمر فكري نظمته جامعة وهران في مدينة وهران غرب الجزائر سنة 2012م، في هذا المؤتمر اعتذر أحد الأكاديميين الجزائريين عن الحديث باللغة العربية، وتحدث باللغة الفرنسية لضبط تقديم مداخلته بصورة علمية ومحكمة، وقد لاحظت عليه نوعا من الحرج خلال تقديم المداخلة وبعدها، لكونه الوحيد في المؤتمر الذي تحدث بالفرنسية.

هذه صور وتجليات لغربات المثقف في المجال العربي المعاصر، وإشكالية هذه الغربات وحساسيتها أنها أثرت وتؤثر على طبيعة أدوار المثقفين وديناميتها في مجتمعاتهم، وهم الذين حاصروا أنفسهم بهذه الغربات، وهم كذلك قادرون على التغلب عليها، واستعادة مكانتهم الللائقة بهم في مجتمعاتهم.

 
 
 
 
عدد الزوار : 180878