الأربعاء 16 محرم 1440 هـ   - 26 سبتمبر 2018 م

الحوار-الجزائر، الاثنين 18 شوال 1439هـ/ 2 يوليو 2018م، العدد 3438

الحداثة والزمن

لا يمكن الإحاطة بمفهوم الحداثة بعيدا عن فكرة الزمن، هذه الحقيقة وهذه العلاقة لا بد من إدراكها عند النظر والتأمل في مفهوم الحداثة، فهناك اتصال واقتران لا ينفصل ولا ينقطع أبدا بين الحداثة والزمن، ومتى ما حصل هذا الفصل وهذا القطع اختل تكوين المعرفة بمفهوم الحداثة.

وكل فهم للحداثة لا يكون ناظرا لفكرة الزمن، لا يعطي إلا فهما ناقصا ومنقوصا لمفهوم الحداثة، المفهوم الذي لا يتحدد ولا يكتمل بدون فكرة الزمن، فالحداثة بدون فكرة الزمن هي حداثة ناقصة، أو حداثة غير مكتملة، أو أنها حداثة متوهمة، وهي ليست حداثة إلا على سبيل المجاز، وليس سبيل الحقيقة.

هذا التأكيد الذي يصل إلى حد اليقين في العلاقة بين الحداثة والزمن، نابع من كون أن مفهوم الحداثة في فلسفته وحكمته، ماهيته وهويته، بيانه ولسانيته، هو مفهوم زمني، مشتق من الزمن، وجاء متلبسا بالزمن، وقابضا عليه، ومتخذا منه وجهة ومسارا، عابرا به ومن خلاله درب الحياة في تحولاتها وتغيراتها المتقادمة والمتلاحقة.

الحداثة هي مفهوم زمني هذه حقيقة لا ريب فيها، وذلك باعتبار أن الحداثة ناظرة إلى ما هو حديث الذي هو خلاف القديم، فالحداثة تتصل بالحديث من جهة وتقطع مع القديم من جهة أخرى، وتعطي الأهمية والقيمة والاعتبار لكل ما هو حديث، وتسلب الأهمية والقيمة والاعتبار عن كل ما هو قديم، فهي تفاضل بين ما هو حديث وما هو قديم ولا تساوي بينهما.

والاتصال بالحديث في الحداثة يحصل على طول الخط، بلا توقف أو انقطاع، ملاحقة وتعقبا لكل حديث، ومتى ما حصل توقف أو انقطاع عن هذه الملاحقة، وهذا التعقب، تكون الحداثة قد فقدت صفتها ومصداقيتها، وانقلبت على ذاتها.

الأمر الذي يعني أن الملاحقة والتعقب، تعد شرطا لا بد منه، وذلك باعتبار أن الحديث يتحول إلى قديم، ومآل الحديث مع مرور الزمن أن يتحول إلى قديم، وما هو حديث الآن لا يعد حديثا بالضرورة غدا، ومتى ما خرج الأمر من دائرة الحديث إلى دائرة القديم، تحولت صورة الموقف تجاهه، وتغيرت طريقة التعامل معه في منطق الحداثة.

وبهذا المعنى فإن الحداثة هي فعل تحقق الحداثة، التحقق الذي يكون شرطه الديمومة والاستمرارية، وتنتهي الحداثة وتتوقف مع انتهاء وتوقف عنصر الديمومة والاستمرارية، فالأصل في الحداثة أن تكون مستمرة، وهي إما أن تكون مستمرة أو لا تكون.

والحداثة تتصل بالزمن، لكون أن الزمن وضع متحرك ومتغير وسيال، وليس ساكنا على الإطلاق أو جامدا أو متوقفا، عنصر الحركة في الزمن هو الذي لفت الانتباه لمفهوم الحداثة، وشكل أساسا وجوديا لها، وجعل منها تمثل حاجة ومطلبا، ولو كان الزمن ساكنا أو جامدا لما كانت للحداثة حاجة وضرورة، والحداثة في هذا الجانب تتصل بالزمن من جهة عنصر الحركة.

وتتصل الحداثة بالزمن أيضا، من جهة ربط الزمن بعنصر التقدم، وتحويل الزمن إلى حركة متجهة وصاعدة نحو التقدم، أي أن الحداثة ليست مجرد نظرة عادية، أو مجرد علاقة عابرة بالزمن، وإنما هي علاقة تتخذ من فكرة التقدم أساسا ووجهة في النظر إلى الزمن، وفي التعامل معه.

بالشكل الذي يجيز القول بأن الحداثة هي ربط العلاقة بين الزمن والتقدم، وفي هذه العلاقة يكون الزمن بمثابة الإطار، ويكون التقدم بمثابة الروح، الروح المحرك للزمن لتكون حركته في حالة صعود، وصعود دائم ومستمر.

وحسب هذا المنظور الحداثي، فلا مجال للنظر إلى الزمن في حالات التراجع أو النكوص أو العودة إلى الوراء، فهذه الحالات وغيرها خارجة عن منطق الحداثة، وتحسب إما بوصفها ما قبل حداثية، أو أنها مضادة للحداثة، ومغايرة لنهجها ومنطقها.

وجماع القول إن الحداثة من جهة هي نظر إلى الزمن في كل آن، أي إنها لا تتوقف عن النظر إلى الزمن، ولا يمكنها ذلك، ومن هنا سميت الحداثة حداثة، ومن جهة أخرى إن الحداثة هي نظرة فعالة ومتحركة إلى الزمن، ومن جهة ثالثة إن الحداثة هي نظرة إلى الزمن من منظورة فكرة التقدم.

 
 
 
 
عدد الزوار : 180878