الاثنين 2 ربيع الثاني 1440 هـ   - 10 ديسمبر 2018 م

الحوار- الجزائر، الاثنين 25 شوال 1439هـ/ 9 يوليو 2018م، العدد 3443

التقريب والإصلاح

فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية في حقيقتها وحكمتها هي فكرة إصلاحية تامة، نهض بها المصلحون، وانخرط فيها، ودافع عنها، وثبت عليها المصلحون أصحاب الفكر الإصلاحي، وقاطعها، وشكك فيها، واعترض عليها، ووقف في طريقها الجامدون أصحاب الفكر التقليدي الجامد، الذين ينتمون إلى علم الكلام القديم القائم على البحث عن الفرق بين الفرق، والمنشغلون بتقسيم الأمة إلى ملل ونحل ضالة وزائغة.

التقريب فكرة إصلاحية لأنها تستهدف إصلاح العلاقات بين المسلمين مذاهب وجماعات، ومن ثم إصلاح حال الأمة، وإخراج الأمة من صراعاتها ونزاعاتها وصداماتها وخلافاتها، التي بددت الطاقات، وضيعت الجهود، واستنزفت الإمكانات، وشتت الفرص، وكرست الانقسام، وعززت الانغلاق، ورسخت القطيعة، الحالات التي أظهرت الأمة بوضعية الأمة المنقسمة على ذاتها، المتصادمة في داخلها، التائهة في دربها.

والتقريب فكرة إصلاحية لأنها تستهدف النهوض بالأمة، التي لا يمكن لها النهوض إلا بعد تقاربها وتضامنها وتآلفها وتصالحها، فالأمم تنهض بتقاربها ولا تنهض بتباعدها، وتنهض بتضامنها ولا تنهض بتفرقها، وتنهض بتآلفها ولا تنهض بتباغضها، وكلما نهضت الأمم وسلكت درب النهوض كلما اقتربت من قيم التقارب والتضامن والتآلف والتآخي، وغلبت هذه القيم، وانتصرت لها، وأعلت من شأنها، وكلما تراجعت الأمم وتخلفت كلما ابتعدت عن تلك القيم، واقتربت من القيم المضادة لها، كالتباعد والتخاصم والتفارق والتباغض وغيرها.

والتقريب فكرة إصلاحية لأنها تستهدف تعارف الأمة مع ذاتها، ورفع آفة الجهل والتجاهل بين المسلمين مذاهب وجماعات، والناس كما روي عن الإمام علي –عليه السلام- أعداء ما جهلوا، فالجهل سببا للعداوة ليس بين الأفراد والجماعات فحسب، بل حتى بين الأمم والمجتعات، ومتى ما ارتفع الجهل إنسد طريقا للعداوة، ومتى ما حل العلم انفتح طريقا للتصالح والمصالحة، وعن طريق التقارب ينسد باب الجهل، وينفتح طريق العلم ويكون سبيلا للتعارف والتواصل.

بهذا المعنى المتعدد، فلا جدال ولا نزاع في اعتبار أن التقريب هي فكرة إسلامية وأخلاقية وإصلاحية ونهضوية، من الواجب علينا التمسك بها، والدفاع عنها، والعمل من أجلها، والسير في دربها، لأن فيها صلاح الأمة وإصلاحها، وعافية الأمة وشفائها، وفيها تجليات روح الأمة الواحدة التي دعا إليها القرآن الكريم ونص عليها في آيتين كريمتين هما: قوله تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}- الأنبياء، آية: 92- وقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} –المؤمنون، آية: 52-.

هذه الفكرة الإصلاحية الخلاقة تغيرت صورتها اليوم في أذهان البعض وتبدلت، وهناك من انقلب عليها، وهناك من ارتد عنها، وهناك من انسحب منها، وهناك من شكك فيها، إلى جانب من أعلن صراحة معارضة لها، مصطفا بهذا الموقف مع جبهة المعارضين أصحاب المواقف الجامدة، في خطوة تراجعية إلى الوراء، انتكس فيها الوعي، وانحدر فيها الرشد، وتغلب فيها الانفعال وضيق الصدر.

وهؤلاء بهذا الموقف، يكونوا قد خرجوا عن المنحى الإصلاحي، وتحولوا من درب الإصلاح إلى درب آخر، لأنهم من جهة قد تخلوا عن فكرة إصلاحية لا خلاف في إصلاحيتها وطبيعتها الإصلاحية ولا جدال ولا نزاع، ومن جهة أخرى لأن هذه الخطوة منهم ليست من سيرة المصلحين الحقيقيين الذين لا يغيرون في مواقفهم ولا يبدلون، ولا يتأثرون بضغط الظروف وينفعلون، ولا تحركهم العواطف فيتقلبون.

ومن جهة ثالثة، كان المفترض من هؤلاء أن يكونوا اليوم من أشد المدافعين عن هذه الفكرة، ومن أكثر الناس ثباتا عليها، فهذا هو وقت الدفاع عن هذه الفكرة، ووقت الثبات عليها، لا وقت التحلل منها، والتشكك فيها، والتخلي عنها.

مع ذلك فقد مثل هذا الظرف المتغير اختبارا لمعرفة المصلحين من غيرهم، فمن ثبت على هذه الفكرة بقي في عداد المصلحين، ومن تخلى عنها خرج من عداد المصلحين.

وفي ظروف المحنة – كهذه الظروف التي نعاصرها اليوم- يعرف المصلحون دون سواهم، يعرفون بصبرهم وثباتهم وتعقلهم وحكمتهم وسعة صدرهم، أما الذين يعرفون في هذه الظروف بالغضب والعاطفة والانفعال وضيق الصدر، فهؤلاء ليسوا مصلحين، ولا يعدون في عداد المصلحين، يمكن أن يكونوا دعاة أو وعاظا أو خطباء لكنهم ليسوا مصلحين قطعا.

والإصلاحية إنما تعرف في مثل هذه الظروف، تظهر وتتجلى فعلا ووجودا وموقفا وسلوكا، وهي ليست صفة للإدعاء أو التفاخر أو التظاهر أو التملك، وليست الإصلاحية مجرد عنوان أو شعار أو لافتة بلا مصداق فعلي، أو بلا أساس وجودي، أو بلا موقف سلوكي، أو بلا تحقق واقعي، بشرط أن يكون هذا الفعل والموقف والسلوك ثابتا وراسخا.

وتتأكد أهمية هذا الموضوع وتتعاطم، مع ما نراه من تراجعات وتصدعات حادة وخطيرة تحصل في العلاقات بين مذهب المسلمين، فقد عادت الخلافات المذهبية بالظهور وكأنها تظهر لأول مرة في حياة المسلمين، ورجعنا إلى الوراء لنزاعات المذاهب والفرق، ولم نغادر الماضي، وثبت أننا ليس فقط لا نرغب في مغادرة الماضي، بل لا نستطيع ذلك، وهنا تكمن الأزمة التي جعلتنا ننظر إلى الوراء، وتحجب عنا النظر إلى الأمام.

أما التطور الخطير والمفزع فقد تمثل في ظهور جماعات تعلن صراحة تكفير المسلمين الشيعة، وتتملكهم الرغبة والإسراف في قتلهم أينما وجدوا، وأينما كانوا، وبطرق متوحشة، وتم قتلهم غدرا وغيلة في أمكنة مختلفة، في المدارس والأسواق والطرقات، وحتى في المساجد التي هي بيوت الله، وهم يصلون لله راكعين وساجدين، ذاكرين الله ومسبحين، وقد عبرت هذه الجماعات عن تفسير متوحش للدين، تنزع منه صفة الرحمة من جهة، وصفة التمدن من جهة أخرى.

أمام هذه الوضعيات المتأزمة مذهبيا، تتأكد الحاجة لفكرة التقريب وتتوثق، وهذا هو الموقف المعبر عن المنطق الإصلاحي الحقيقي الذي يتخذ من الإصلاح حكمة وثباتا وعزيمة، بخلاف من يرى في هذه الوضعيات أنها جاءت وأطاحت بفكرة التقريب، وأعلنت عن فشلها وعدم جدواها، ومن ثم المطالبة بالتوقف عنها، والتحلل منها، وهذا هو بعينه الموقف غير الإصلاحي الذي يتخلى عن إرادة الإصلاح حين تشتد الحاجة لهذه الإرادة.

الأمر الذي يعني أننا أمام موقفين في طريقة النظر والعمل تجاه هذه الوضعيات المتأزمة مذهبيا، فمن جهة هناك الموقف الإصلاحي الذي يظهر عادة في مثل هذه الظروف، ويتجلى بحكمته وبصيرته، ومن جهة أخرى هناك الموقف غير الإصلاحي الذي يظهر عليه الانفعال وضيق الصدر وتجانبه الحكمة.

 

 
 
 
 
عدد الزوار : 184921