الجمعة 20 رمضان 1440 هـ   - 24 مايو 2019 م

الحوار- السعودية، مجلة فكرية ثقافية فصلية، العدد 33، رجب 1440هـ/مارس 2019م

التقدم كطريق لتجاوز الصدامات الداخلية

من المفارقات المثيرة للدهشة والظاهرة للعيان أن الانقسامات والصدامات الحادة والعنيفة التي ظهرت في مجتمعات المسلمين المعاصرين، لا نكاد نراها بتلك الشدة ولا بذلك الامتداد في باقي المجتمعات الأخرى التي تنتمي إلى ديانات وحضارات مختلفة. 

 فلا نكاد نرى مثل هذه الانقسامات والصدامات الحادة والعنيفة في مجتمعات المسيحيين اليوم على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم الذين ينتمون إلى الحضارة الأوروبية، ولا في مجتمعات اليهود على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ولا نراها كذلك في مجتمعات البوذيين الذين يتوزعون وينتمون إلى الحضارة الصينية والحضارة اليابانية، ولا نراها أيضا في مجتمعات الهندوسيين الذين ينتمون إلى الحضارة الهندية، وهكذا في باقي الديانات والحضارات الأخرى التي نتقاسم معها كوكب الأرض.

أشرنا لهذه الحضارات لكونها تمثل الحضارات العريقة والكبرى في التاريخ الإنساني والموجودة في العالم المعاصر، فما هو تفسير هذه الظاهرة في منطق الحضارات؟

بحسب هذا المنطق فإن التفسير في إطاره الكلي والعام يتحدد تقريبا في كون أن الحضارات الأخرى قد عالجت الانقسامات في داخلها وخففت منها، وأزالت مسببات الصدام، وأبطلت فتيل النزاع، وحققت مصالحات وتوافقات بين تعددياتها المذهبية وتنوعاتها المجتمعية، وخرجت من قوس الأزمة.

وهذا ما لم يحدث عند المسلمين المعاصرين مذاهب وجماعات، فلا مصالحات تحققت بينهم ولا توافقات راسخة حصلت بين تعددياتهم وتنوعاتهم المذهبية والمجتمعية، الوضع الذي جعل صورة الحضارة الإسلامية تظهر بين حضارات العالم المعاصر وكأنها من أكثر الحضارات التي تعاني من الصدام الداخلي.

وبتأثير هذا التأزم الكبير والممتد أصبح المسلمون طرفا في العديد من الانقسامات والصدامات الحادثة في العالم المعاصر، ففي الهند حدثت بين وقت وآخر صدامات مع الهندوسيين، وفي السودان حدثت صدامات مع المسيحيين دامت زمنا طويلا وانتهت إلى انقسام البلد بين شمال مسلم وجنوب مسيحي، وفي جنوب شرق آسيا حدثت في أوقات متفرقة صدامات مع البوذيين، وهكذا الحال في مناطق أخرى من العالم.

ومن المؤكد لو أن الحضارة الإسلامية في الأزمنة الحديثة عالجت الانقسامات والصدامات في داخلها، وخففت منها بمصالحات وتوافقات بينية راسخة، لانعكس هذا الحال إيجابيا على وضع المجموعات المسلمة في مجتمعات العالم، ولكانت لهم صورة غير الصورة المتشكلة وحتى المتخيلة في أذهان الآخرين، ولأصبحت لهم طريقة في إدارة الحياة تغاير طريقتهم السائدة، ولكانت لهم رؤية مختلفة إلى العالم.

ومن يراقب تاريخ الحضارات يرى أن الحضارات التي عالجت الانقسامات والصدامات في داخلها، فإنها تدفع إلى الواجهة قيم وعلامات وإشارات تفارق تلك القيم والعلامات والإشارات التي تدفع بها الحضارات المصابة بالانقسامات والصدامات الداخلية.

كما أن الحضارات بحسب وضعياتها التاريخية تقدما وتراجعا تؤثر بروحها العام في المنتمين إليها أينما كانوا، على اختلاف صور هذا التأثير ودرجاته، فالحضارة غير مصابة بالانقسامات والصدامات الداخلية فإنها تؤثر بروح يغاير ويمانع نزعات الانقسام والصدام، بخلاف الحضارة المصابة بهذا الداء فإنها تؤثر بروح لا يخلو من بصمات هذا الداء.

وبالتقدم والنهوض تتغلب الحضارات على انقساماتها وصداماتها الداخلية، وتخفف منها وتهذبها، وهذا ما حصل للمسيحيين في المجتمعات الأوروبية الذين كان لهم تاريخ طويل في الانقسام والصدام الحاد والعنيف خلال فترة العصور الوسطى الموصوفة في الأدبيات الأوروبية بعصور الانحطاط والظلام التي دامت عشرة قرون بقيت ممتدة من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر الميلادي.

ومن يرجع إلى هذا التاريخ الطويل يقف على صور من الانقسام والصدام بين مذاهب المسيحيين وجماعاتهم تثير الفزع، وترعش الأبدان، وكأنها من صور الخيال التي لا تكاد تصدق من شدة أهوالها المرعبة، ويكفي تذكر ما عرف بحرب الثلاثين عاما (1618-1648م) التي حصلت بين الكاثوليك والبروتستانت أكبر مذاهب المسيحيين، وحصدت معها من أرواح البشر ما لا يحصى، وحولت حياة الناس هناك إلى وضع لا يطاق.

وأما سيرة محاكم التفتيش العقائدي فقد مثلت أسوء ذاكرة في التاريخ الأوروبي الوسيط وما بعده، والغريب أنها دامت زمنا طويلا قارب سبعة قرون، بدأت بالظهور بشكل غير رسمي سنة 1022م، وتنقلت بين الأقطار الأوروبية ومنها فرنسا وهولندا والبرتغال، وألغيت نهائيا في آخر محطة لها في إسبانيا سنة 1834م، وحصل فيها من القمع والاضطهاد والترهيب والتهجير باسم الدين وحماية العقيدة ما لم يحصل في أي مكان آخر من العالم، إذ لم يسلم منها العلماء الذين قتلوا حرقا بتهم الزندقة والهرطقة.

وما تغلبت أوروبا على هذا التاريخ الطويل من الانقسام والصدام إلا بعد أن سلكت طريق التقدم والنهوض، فالحضارة هي التي هذبت السلوك الديني للطوائف والجماعات المسيحية في أوروبا، ودفعت بها نحو مسارات مغايرة، وصلت فيما بعد لتحقيق تفاهمات ومصالحات فيما بينها، جعلتها تتخطى تلك الذاكرة السيئة والمرعبة، والانقلاب عليها بتأسيس ذاكرة أخرى مغايرة تتقبل الخلاف وتتعايش معه.

هذا التحول الذي حصل في المجتمعات الأوروبية بين الطوائف والجماعات الدينية، يمكن أن يحصل في المجتمعات الأخرى إذا سلكت طريق التقدم والنهوض، لكون أن هذا الطريق يهذب سلوك الجماعات بما في ذلك السلوك الديني، ويسهم في تحسين نوعية الحياة للناس، ويبرز قيما حضارية تحفز على التقارب والتصالح والتفاهم.

 هذا هو الطريق الذي ينبغي أن نسلكه ليكون سبيلا ناجعا لمعالجة الانقسامات والصدامات في مجتمعاتنا.

 

 
 
 
 
عدد الزوار : 192215