الأحد 21 ذو القعدة 1441 هـ   - 12 يوليو 2020 م

الحوار- مجلة فكرية ثقافية فصلية سعودية، العدد 38، شوال 1441هـ/ يونيو 2020م

دهشة السؤال وحكمته

ارتبطت الفلسفة منذ عهدها القديم بالسؤال، وحدث هذا الربط بعدما عرف أرسطو الفلسفة واضعا السؤال في قلبها، قائلا عنها: إنها أسئلة الأصل فيها دهشة الإنسان من الظواهر التي تحيط به، واستنادا لهذا القول اعتبر المفكر المغربي الدكتور طه عبدالرحمن في كتابه: (الحق العربي في الاختلاف الفلسفي) أن الفلسفة لم تشتهر بشيء اشتهارها بممارسة السؤال، ولم يطبق المشتغلون بها على شيء إطباقهم على هذا الوصف.

وإذا كانت الفلسفة بالمعنى الأرسطي القديم قد بدأت بالدهشة، فهذا يعني أنها اتخذت من السؤال منصة لها، باعتبار أن الدهشة لا تمثل لها بهذا الوصف إلا بالسؤال، فالدهشة لا تكون دهشة إلا بالسؤال، فإذا غاب السؤال ذهبت الدهشة، وإذا حضرت الدهشة حضر السؤال، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن مع كل دهشة يوجد سؤال، ولكن ليس مع كل سؤال توجد دهشة.

لذا فإن السؤال الذي يتلازم مع الدهشة يكون سؤالا له طبيعة مختلفة تخوله لأن يندرج في عالم الفلسفة ويتصل بفضائها الفلسفي الرحب، ومن ثم يحمل صفتها ووصفها، ويعرف بصفة السؤال الفلسفي أو السؤال الذي له صلة وصل بالفلسفة، ويراد به السؤال المتلازم مع الدهشة، وبهذه الدهشة يلج السؤال إلى بيت الفلسفة، وبدونها تمتنع الفلسفة عن تقبل هذا السؤال وتعلن مفارقتها معه دربا ومسارا.

ومن طبيعة السؤال أن يولد حركة في الذهن، فهو يأتي ليستثير الذهن، ويكسر فيه حالة السكون، ويدفعه نحو التنبه واليقظة، وإذا جاءت الدهشة هنا فإنها تزيد من قوة الحركة المتولدة من السؤال بشكل يتفارق مع حركة السؤال الفاقد للدهشة.

 

وهذا ما يعرفه الحكماء وبه يتميزون، فإنهم ينظرون إلى السؤال من جهة الدهشة، وبدافع الدهشة يتصلون بالسؤال ويتعاملون فحصا وتأملا، والسؤال الذي لا يجدون فيه دهشة يطرحونه جانبا، ويعتبرونه يقع خارج نطاق اهتمامهم، وأقل درجة من مقامهم.

ولكي يتصف السؤال بالدهشة بحاجة إلى إبداع وابتكار، ومن هنا تكمن صعوبة السؤال من جهة، وحيوية السؤال من جهة أخرى، وجه الصعوبة لأن ليس من السهولة إبداع السؤال وابتكاره، فالوصول إلى ذلك بحاجة لتأملات مستفيضة ينشط فيها الفكر، وقد يستغرق وقتا وجهدا، لذا لا يقوى على إبداعه وابتكاره إلا أولئك الذين يتصفون بيقظة الفكر وسعة الخيال وقوة التأمل، وهم في الغالب قلة من الناس يعرفون بين الملل كافة بأهل الفكر والمعرفة والحكمة.

ووجه الحيوية لأن الإبداع والإبتكار يجعل السؤال محافظا على نشاطه وديناميته، ويكون عندئذ مؤهلا لأن يتخطى حدود المكان وحدود الزمان، متنقلا بين الأمم والمجتمعات، عابرا بين الأيام والسنين، ممتدا في أجله، متوهجا بدهشته، متفارقا بهذه الدهشة عن كل سؤال آخر فاقد لهذه السمة، فالدهشة تضيف للسؤال عمرا يطول به أجله، دهشة يتلمسها الناظر إلى السؤال في كل آن، ومن هذه الجهة ينقسم السؤال ما بين سؤال قصير الأجل وسؤال طويل الأجل، وما بين سؤال يقف عند حدود المكان والزمان وسؤال يتخطى حدود المكان والزمان، وهنا تكمن عظمة الدهشة، فأين هي أسئلتنا المدهشة والمبدعة في ميادين الفكر والمعرفة؟

 
 
 
 
عدد الزوار : 208978